أبي منصور الماتريدي
118
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
القتل والإهلاك لمن خالفهم فيما هم فيه ، ثم لم يقدر أحد منهم الضرر به ؛ دل أنه كان بالله حفظه ، وكذلك سائر الأنبياء - صلوات الله عليهم - حيث قالوا بين ظهراني قومهم - من نحو هود ونوح وهؤلاء - : فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ [ هود : 55 ] وقال « 1 » نوح : قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ . . . [ هود : 38 ] الآية . وقوله - عزّ وجل - : إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ . . . الآية . ذكر هذا على إثر قوله : ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ ؛ كما ذكر هود : إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ [ هود : 54 - 56 ] ، وكما قال نوح : إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ [ يونس : 71 ] ، فزعوا إلى الله - عزّ وجل - عند وعيد قومهم بالإهلاك ، وعليه اعتمدوا ، وبه وثقوا ؛ فعلى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ أي : هو وليي يحفظني ، وهو يتولى حفظ الصالحين ، أي : بتوليه صلحوا . أو يتولى ويحفظ الصالحين مقابل قول من ذكرنا من الرسل لقومهم . ثم قوله : وَلِيِّيَ اللَّهُ عزّ وجل . يحتمل : حافظي وناصري . أو وليّ تدبيري الله الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ . أو ولي أمري . أو أولى بي الله الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ الذي عجزت الخلائق عن إتيان مثله وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ . وقوله - عزّ وجل - : وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ يذكر سفههم بعبادتهم من عجز عن دفع الضرر عن نفسه ، فضلا أن يدفع ذلك عنهم أو يجروا إلى أنفسهم منفعة ، وأخبر عن جهلهم أنهم يعبدون من لا يملك دفع ضر ولا جر نفع . وقوله : وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ : هذا يخرج على وجهين : أحدهما : يخاطب به المؤمنين بقوله :
--> ( 1 ) في ب : وقول .